الأحد، 10 يوليو 2011

قصيدة بلقيس

شكراً لكم ..

شكراً لكم . .

فحبيبتي قتلت .. وصار بوسعكم

أن تشربوا كأساً على قبر الشهيده

وقصيدتي اغتيلت ..

وهل من أمـةٍ في الأرض ..

- إلا نحن - تغتال القصيدة ؟

بلقيس ...

كانت أجمل الملكات في تاريخ بابل

بلقيس ..

كانت أطول النخلات في أرض العراق

كانت إذا تمشي ..

ترافقها طواويسٌ ..

وتتبعها أيائل ..

بلقيس .. يا وجعي ..

ويا وجع القصيدة حين تلمسها الأنامل

هل يا ترى ..

من بعد شعرك سوف ترتفع السنابل ؟

يا نينوى الخضراء ..

يا غجريتي الشقراء ..

يا أمواج دجلة . .

تلبس في الربيع بساقها

أحلى الخلاخل ..

قتلوك يا بلقيس ..

أية أمةٍ عربيةٍ ..

تلك التي

تغتال أصوات البلابل ؟

أين السموأل ؟

والمهلهل ؟

والغطاريف الأوائل ؟

فقبائلٌ أكلت قبائل ..

وثعالبٌ قتـلت ثعالب ..

وعناكبٌ قتلت عناكب ..

قسماً بعينيك اللتين إليهما ..

تأوي ملايين الكواكب ..

سأقول ، يا قمري ، عن العرب العجائب

فهل البطولة كذبةٌ عربيةٌ ؟

أم مثلنا التاريخ كاذب ؟.

بلقيس

لا تتغيبي عني

فإن الشمس بعدك

لا تضيء على السواحل . .

سأقول في التحقيق :

إن اللص أصبح يرتدي ثوب المقاتل

وأقول في التحقيق :

إن القائد الموهوب أصبح كالمقاول ..

وأقول :

إن حكاية الإشعاع ، أسخف نكتةٍ قيلت ..

فنحن قبيلةٌ بين القبائل

هذا هو التاريخ . . يا بلقيس ..

كيف يفرق الإنسان ..

ما بين الحدائق والمزابل

بلقيس ..

أيتها الشهيدة .. والقصيدة ..

والمطهرة النقية ..

سبـأٌ تفتش عن مليكتها

فردي للجماهير التحية ..

يا أعظم الملكات ..

يا امرأةً تجسد كل أمجاد العصور السومرية

بلقيس ..

يا عصفورتي الأحلى ..

ويا أيقونتي الأغلى

ويا دمعاً تناثر فوق خد المجدلية

أترى ظلمتك إذ نقلتك

ذات يومٍ .. من ضفاف الأعظمية

بيروت .. تقتل كل يومٍ واحداً منا ..

وتبحث كل يومٍ عن ضحية

والموت .. في فنجان قهوتنا ..

وفي مفتاح شقتنا ..

وفي أزهار شرفتنا ..

وفي ورق الجرائد ..

والحروف الأبجدية ...

ها نحن .. يا بلقيس ..

ندخل مرةً أخرى لعصر الجاهلية ..

ها نحن ندخل في التوحش ..

والتخلف .. والبشاعة .. والوضاعة ..

ندخل مرةً أخرى .. عصور البربرية ..

حيث الكتابة رحلةٌ

بين الشظية .. والشظية

حيث اغتيال فراشةٍ في حقلها ..

صار القضية ..

هل تعرفون حبيبتي بلقيس ؟

فهي أهم ما كتبوه في كتب الغرام

كانت مزيجاً رائعاً

بين القطيفة والرخام ..

كان البنفسج بين عينيها

ينام ولا ينام ..

بلقيس ..

يا عطراً بذاكرتي ..

ويا قبراً يسافر في الغمام ..

قتلوك ، في بيروت ، مثل أي غزالةٍ

من بعدما .. قتلوا الكلام ..

بلقيس ..

ليست هذه مرثيةً

لكن ..

على العرب السلام

بلقيس ..

مشتاقون .. مشتاقون .. مشتاقون ..

والبيت الصغير ..

يسائل عن أميرته المعطرة الذيول

نصغي إلى الأخبار .. والأخبار غامضةٌ

ولا تروي فضول ..

بلقيس ..

مذبوحون حتى العظم ..

والأولاد لا يدرون ما يجري ..

ولا أدري أنا .. ماذا أقول ؟

هل تقرعين الباب بعد دقائقٍ ؟

هل تخلعين المعطف الشتوي ؟

هل تأتين باسمةً ..

وناضرةً ..

ومشرقةً كأزهار الحقول ؟

بلقيس ..

إن زروعك الخضراء ..

ما زالت على الحيطان باكيةً ..

ووجهك لم يزل متنقلاً ..

بين المرايا والستائر

حتى سجارتك التي أشعلتها

لم تنطفئ ..

ودخانها

ما زال يرفض أن يسافر

بلقيس ..

مطعونون .. مطعونون في الأعماق ..

والأحداق يسكنها الذهول

بلقيس ..

كيف أخذت أيامي .. وأحلامي ..

وألغيت الحدائق والفصول ..

يا زوجتي ..

وحبيبتي .. وقصيدتي .. وضياء عيني ..

قد كنت عصفوري الجميل ..

فكيف هربت يا بلقيس مني ؟..

بلقيس ..

هذا موعد الشاي العراقي المعطر ..

والمعتق كالسلافة ..

فمن الذي سيوزع الأقداح .. أيتها الزرافة ؟

ومن الذي نقل الفرات لبيتنا ..

وورود دجلة والرصافة ؟

بلقيس ..

إن الحزن يثقبني ..

وبيروت التي قتلتك .. لا تدري جريمتها

وبيروت التي عشقتك ..

تجهل أنها قتلت عشيقتها ..

وأطفأت القمر ..

بلقيس ..

يا بلقيس ..

يا بلقيس

كل غمامةٍ تبكي عليك ..

فمن ترى يبكي عليا ..

بلقيس .. كيف رحلت صامتةً

ولم تضعي يديك .. على يديا ؟

بلقيس ..

كيف تركتنا في الريح ..

نرجف مثل أوراق الشجر ؟

وتركتنا - نحن الثلاثة - ضائعين

كريشةٍ تحت المطر ..

أتراك ما فكرت بي ؟

وأنا الذي يحتاج حبك .. مثل (زينب) أو (عمر)

بلقيس ..

يا كنزاً خرافياً ..

ويا رمحاً عراقياً ..

وغابة خيزران ..

يا من تحديت النجوم ترفعاً ..

من أين جئت بكل هذا العنفوان ؟

بلقيس ..

أيتها الصديقة .. والرفيقة ..

والرقيقة مثل زهرة أقحوان ..

ضاقت بنا بيروت .. ضاق البحر ..

ضاق بنا المكان ..

بلقيس : ما أنت التي تتكررين ..

فما لبلقيس اثنتان ..

بلقيس ..

تذبحني التفاصيل الصغيرة في علاقتنا ..

وتجلدني الدقائق والثواني ..

فلكل دبوسٍ صغيرٍ .. قصةٌ

ولكل عقدٍ من عقودك قصتان

حتى ملاقط شعرك الذهبي ..

تغمرني ،كعادتها ، بأمطار الحنان

ويعرش الصوت العراقي الجميل ..

على الستائر ..

والمقاعد ..

والأواني ..

ومن المرايا تطلعين ..

من الخواتم تطلعين ..

من القصيدة تطلعين ..

من الشموع ..

من الكؤوس ..

من النبيذ الأرجواني ..

بلقيس ..

يا بلقيس .. يا بلقيس ..

لو تدرين ما وجع المكان ..

في كل ركنٍ .. أنت حائمةٌ كعصفورٍ ..

وعابقةٌ كغابة بيلسان ..

فهناك .. كنت تدخنين ..

هناك .. كنت تطالعين ..

هناك .. كنت كنخلةٍ تتمشطين ..

وتدخلين على الضيوف ..

كأنك السيف اليماني ..

بلقيس ..

أين زجاجة ( الغيرلان ) ؟

والولاعة الزرقاء ..

أين سجارة الـ (الكنت ) التي

ما فارقت شفتيك ؟

أين (الهاشمي ) مغنياً ..

فوق القوام المهرجان ..

تتذكر الأمشاط ماضيها ..

فيكرج دمعها ..

هل يا ترى الأمشاط من أشواقها أيضاً تعاني ؟

بلقيس : صعبٌ أن أهاجر من دمي ..

وأنا المحاصر بين ألسنة اللهيب ..

وبين ألسنة الدخان ...

بلقيس : أيتها الأميرة

ها أنت تحترقين .. في حرب العشيرة والعشيرة

ماذا سأكتب عن رحيل مليكتي ؟

إن الكلام فضيحتي ..

ها نحن نبحث بين أكوام الضحايا ..

عن نجمةٍ سقطت ..

وعن جسدٍ تناثر كالمرايا ..

ها نحن نسأل يا حبيبة ..

إن كان هذا القبر قبرك أنت

أم قبر العروبة ..

بلقيس :

يا صفصافةً أرخت ضفائرها علي ..

ويا زرافة كبرياء

بلقيس :

إن قضاءنا العربي أن يغتالنا عربٌ ..

ويأكل لحمنا عربٌ ..

ويبقر بطننا عربٌ ..

ويفتح قبرنا عربٌ ..

فكيف نفر من هذا القضاء ؟

فالخنجر العربي .. ليس يقيم فرقاً

بين أعناق الرجال ..

وبين أعناق النساء ..

بلقيس :

إن هم فجروك .. فعندنا

كل الجنائز تبتدي في كربلاء ..

وتنتهي في كربلاء ..

لن أقرأ التاريخ بعد اليوم

إن أصابعي اشتعلت ..

وأثوابي تغطيها الدماء ..

ها نحن ندخل عصرنا الحجري

نرجع كل يومٍ ، ألف عامٍ للوراء ...

البحر في بيروت ..

بعد رحيل عينيك استقال ..

والشعر .. يسأل عن قصيدته

التي لم تكتمل كلماتها ..

ولا أحدٌ .. يجيب على السؤال

الحزن يا بلقيس ..

يعصر مهجتي كالبرتقالة ..

الآن .. أعرف مأزق الكلمات

أعرف ورطة اللغة المحالة ..

وأنا الذي اخترع الرسائل ..

لست أدري .. كيف أبتدئ الرسالة ..

السيف يدخل لحم خاصرتي

وخاصرة العبارة ..

كل الحضارة ، أنت يا بلقيس ، والأنثى حضارة ..

بلقيس : أنت بشارتي الكبرى ..

فمن سرق البشارة ؟

أنت الكتابة قبلما كانت كتابة ..

أنت الجزيرة والمنارة ..

بلقيس :

يا قمري الذي طمروه ما بين الحجارة ..

الآن ترتفع الستارة ..

الآن ترتفع الستارة ..

سأقول في التحقيق ..

إني أعرف الأسماء .. والأشياء .. والسجناء ..

والشهداء .. والفقراء .. والمستضعفين ..

وأقول إني أعرف السياف قاتل زوجتي ..

ووجوه كل المخبرين ..

وأقول : إن عفافنا عهرٌ ..

وتقوانا قذارة ..

وأقول : إن نضالنا كذبٌ

وأن لا فرق ..

ما بين السياسة والدعارة !!

سأقول في التحقيق :

إني قد عرفت القاتلين

وأقول :

إن زماننا العربي مختصٌ بذبح الياسمين

وبقتل كل الأنبياء ..

وقتل كل المرسلين ..

حتى العيون الخضر ..

يأكلها العرب

حتى الضفائر .. والخواتم

والأساور .. والمرايا .. واللعب ..

حتى النجوم تخاف من وطني ..

ولا أدري السبب ..

حتى الطيور تفر من وطني ..

و لا أدري السبب ..

حتى الكواكب .. والمراكب .. والسحب

حتى الدفاتر .. والكتب ..

وجميع أشياء الجمال ..

جميعها .. ضد العرب ..

لما تناثر جسمك الضوئي

يا بلقيس ،

لؤلؤةً كريمة

فكرت : هل قتل النساء هوايةٌ عربيةٌ

أم أننا في الأصل ، محترفو جريمة ؟

بلقيس ..

يا فرسي الجميلة .. إنني

من كل تاريخي خجول

هذي بلادٌ يقتلون بها الخيول ..

هذي بلادٌ يقتلون بها الخيول ..

من يوم أن نحروك ..

يا بلقيس ..

يا أحلى وطن ..

لا يعرف الإنسان كيف يعيش في هذا الوطن ..

لا يعرف الإنسان كيف يموت في هذا الوطن ..

ما زلت أدفع من دمي ..

أعلى جزاء ..

كي أسعد الدنيا .. ولكن السماء

شاءت بأن أبقى وحيداً ..

مثل أوراق الشتاء

هل يولد الشعراء من رحم الشقاء ؟

وهل القصيدة طعنةٌ

في القلب .. ليس لها شفاء ؟

أم أنني وحدي الذي

عيناه تختصران تاريخ البكاء ؟

سأقول في التحقيق :

كيف غزالتي ماتت بسيف أبي لهب

كل اللصوص من الخليج إلى المحيط ..

يدمرون .. ويحرقون ..

وينهبون .. ويرتشون ..

ويعتدون على النساء ..

كما يريد أبو لهب ..

كل الكلاب موظفون ..

ويأكلون ..

ويسكرون ..

على حساب أبي لهب ..

لا قمحةٌ في الأرض ..

تنبت دون رأي أبي لهب

لا طفل يولد عندنا

إلا وزارت أمه يوماً ..

فراش أبي لهب !!...

لا سجن يفتح ..

دون رأي أبي لهب ..

لا رأس يقطع

دون أمر أبي لهب ..

سأقول في التحقيق :

كيف أميرتي اغتصبت

وكيف تقاسموا فيروز عينيها

وخاتم عرسها ..

وأقول كيف تقاسموا الشعر الذي

يجري كأنهار الذهب ..

سأقول في التحقيق :

كيف سطوا على آيات مصحفها الشريف

وأضرموا فيه اللهب ..

سأقول كيف استنزفوا دمها ..

وكيف استملكوا فمها ..

فما تركوا به ورداً .. ولا تركوا عنب

هل موت بلقيسٍ ...

هو النصر الوحيد

بكل تاريخ العرب ؟؟...

بلقيس ..

يا معشوقتي حتى الثمالة ..

الأنبياء الكاذبون ..

يقرفصون ..

ويركبون على الشعوب

ولا رسالة ..

لو أنهم حملوا إلينا ..

من فلسطين الحزينة ..

نجمةً ..

أو برتقالة ..

لو أنهم حملوا إلينا ..

من شواطئ غزةٍ

حجراً صغيراً

أو محارة ..

لو أنهم من ربع قرنٍ حرروا ..

زيتونةً ..

أو أرجعوا ليمونةً

ومحوا عن التاريخ عاره

لشكرت من قتلوك .. يا بلقيس ..

يا معشوقتي حتى الثمالة ..

لكنهم تركوا فلسطيناً

ليغتالوا غزالة !!...

ماذا يقول الشعر ، يا بلقيس ..

في هذا الزمان ؟

ماذا يقول الشعر ؟

في العصر الشعوبي ..

المجوسي ..

الجبان

والعالم العربي

مسحوقٌ .. ومقموعٌ ..

ومقطوع اللسان ..

نحن الجريمة في تفوقها

فما ( العقد الفريد ) وما ( الأغاني ) ؟؟

أخذوك أيتها الحبيبة من يدي ..

أخذوا القصيدة من فمي ..

أخذوا الكتابة .. والقراءة ..

والطفولة .. والأماني

بلقيس .. يا بلقيس ..

يا دمعاً ينقط فوق أهداب الكمان ..

علمت من قتلوك أسرار الهوى

لكنهم .. قبل انتهاء الشوط

قد قتلوا حصاني

بلقيس :

أسألك السماح ، فربما

كانت حياتك فديةً لحياتي ..

إني لأعرف جيداً ..

أن الذين تورطوا في القتل ، كان مرادهم

أن يقتلوا كلماتي !!!

نامي بحفظ الله .. أيتها الجميلة

فالشعر بعدك مستحيلٌ ..

والأنوثة مستحيلة

ستظل أجيالٌ من الأطفال ..

تسأل عن ضفائرك الطويلة ..

وتظل أجيالٌ من العشاق

تقرأ عنك . . أيتها المعلمة الأصيلة ...

وسيعرف الأعراب يوماً ..

أنهم قتلوا الرسولة ..

قتلوا الرسولة ..

ق .. ت .. ل ..و .. ا

ال .. ر .. س .. و .. ل .. ة

السبت، 2 يوليو 2011

أبطال بلا زاد


أبطال بلا زاد
عبد الله الشيخ البشير
الليل كان في الهزيع الثاني
لا شيء يستبين للعيان
إلا أضاميم من الفرسان
خروا وهم باكون للأذقان
وكل شيء ذاب في الألوان
إلا محاريب من الجمان
تشع في مروجها الحسان
على أديم أزرق ريان
وخيم السكون في المكان
لا حس من نجوى ولا ألحان
إلا رفيف الريح في الأغصان
لا صوت ينساب إلى الآذان
إلا ابتهالات من الجنان
نضحن صمت الليل بالقرآن
***
وهبت النوافح القدسية
شرقية الأنفاس عنبرية
فلو أصاخت أذن ذكية
لصافحتها النسمة الفجرية
بهمسة مرموزة خفية
بعيدة أصداؤها كونية
صريحة لكنها مكنية
تنزلت من حجبها العلوية
عليهمو في حضرة قدسية
على جناحى خفقة روحية
مصونة تحاط بالكتمان
وحولها أفق من الدخان
***
واغرورقت في الشرق عين ماء
رشت بهاء الليل بالأنداء
ولامست بالعطر والأضواء
جبين حر شامخ وضاء
مهييء للسلم والهيجاء
همومه رسالة السماء
ونشر دين الله في الأرجاء
والسير في المحجة البيضاء
والعدل بالقسطاس للضعفاء
وحوله حشد من الأنضاء
من شاحذ للحربة السمراء
وقاريء يحبو على الأجزاء
وهائم في عالم الدعاء
وقد تلاقى فوقه النجمان
وماج شط الغيب بالأمان
***
وانسلت البقعة من نعاس
على صباح ثائر الأنفاس
ورزت العرضة بالنحاس
وكل شيء ماج بالحماس
فلا ترى إلا جموع الناس
ماضين تواقين "للدواس"
كأنما زلوا عن الأقواس
يسابقون الريح بالأفراس
ويشعلون الشمس بالأكباس
ولبست مدينة ام درمان
بهاءها في ذلك الزمان
***
واكتظت العرضة بالحشود
وكان ذاك اليوم يوم عيد
معطر الأردان بالبارود
ومشرقاً كجبهة الجنود
وصفت الخيل على صعيد
قد هاجها تضرم القصيد
فجاذبت تصل بالحديد
مجنحات بالقنا الممدود
تود لو طارت إلى بعيد
منقضة في قسطل مزرود
أصيلة حنت إلى الطعان
واعتادها تلاحم الشجعان
***
ونصت الرايات عاليات
رفافة وريحها موات
منضورة الألوان حاليات
منقوشة بمحكم الآيات
تتيه بالصمود والثبات
بهمة الزراع والرعاة
وحافظي القرآن والتقاة
وتزرع الأحلام في الموات
وترسل البشرى إلى الجهات
رفعن مذ رفعن خافقات
أيام كان الناس في سبات
يهيئون الدرب للغزاة
يطأطئون الرأس للطغاة
رفعن من أيد مجربات
ما شوهدت قط منكسات
ولا على الأعقاب ناكسات
بنات نول حاك للفتيان
مدارع الدمور في شيكان
***
وصاح صوت للجهاد عال
أجابه رجع من الجبال
وارتد للضفاف والشلال
وامتد في الأيام والليالي
وأنصت التاريخ في إجلال
ودار حول العرض كالرئبال
أبو محمد سنا الأبطال
سيف الإمام خائض الأهوال
والمقتدى بنهجه المثالي
أعماله في لوحة الأعمال
يلصفن في الحروف كاللالي
انظر إليه وهو في المجال
يختال فوق أحمر مختال
معلماً بالريش والنبال
وحاملاً أمانة الأجيال
وحوله غاب من العوالي
يرمي بناظريه للشمال
كأن عينيه عقيقتان
وان زنديه كتيبتان
***
قد كان في شيكان عن يقين
دعامة في نصرنا المبين
باهي الشلوخ ناصع الجبين
يعتز في تواضع رصين
وكان أقنى شامخ العرنين
وأخضراً ذا معدن ثمين
وكان مشغوف الهوى بالدين
ومولعاً بالسيف والمتون
من راه إذ هب إلى الكمين
في وجه جبار القوى متين
فرده مجزع الوتين
وبثت الغابة للرعيان
ملاحناً من قوسه المريان
***
وخاطب الجمع بما يطاع
وقال حين *** اليفاع
المهتدي بالله لا يضاع
والحق لا يشرى ولا يباع
ولفهم بين السراب القاع
في صائف يحمومه لذاع
وهم رعاة وهم زراع
ونسوة وإلدة أيفاع
مهاجرون مالهم رجاع
وزاهدون مالهم أطماع
مضوا فلا زاد ولا متاع
تكبيرهم تهليلهم ايقاع
مقدس تشتاقه الأسماع
وضجت الجبال والبقاع
ألا تمهل أيها الشعشاع
من أين عذب الماء للظمآن
وأين أين القوت للجوعان
***
ولم يصخ ونص لا يميل
ندب على أيدي الثرى مجبول
في لاحب تيهوره طويل
وقفره بجنه مأهول
يحار من خذاعه الدليل
ولم يصخ ونص لا يميل
في منكرات ضوؤها كليل
في مثل ما يلغي عليها الغول
يحفه من جيشه التهليل
فما انثنى حتى نهاه النيل
وقابلته الناس بالحرسان
وساجعته الطير بالأغصان
***
جازوا خضماً ما به من ماء
ولا به نبض من الأحياء
وجملتهم لفحة الرمضاء
ووسمتهم حكمة الصحراء
وخيموا بالعدوة الجرداء
للنيل حول الراية الخضراء
والنيل فيما قد حكاه الراء
ينساب فوق لجة حمراء
وهم على مرأى من الأعداء
وهم على مرمى من الرماء
فنفروا النوم عن الأجفان
وجردوا الأسياف ملأ جفان
***
وليلة فجرية المذاق
بدنقلا سمارها السواقي
نيلية مخضرة الأوراق
مدتهم بجدول رقراق
وقد تغنى طائر الدلاق
ضمتهمو حباً على إملاق
على حشايا رملها البراق
فرنق النعاس في الآماق
وعادهم طيف من الأشواق
لكنهم باتوا على إشفاق
فمنهم من شمروا عن ساق
يتلون آي الله في اشتياق
ويسرجون الليل بالأحداق
يحصون ما يجري على الآفاق
وما يكن الشر في الأنفاق
وما وراء التل من طراق
والبدر كان باهر الإشراق
يوامض النهر فيبرقان
كجبهة المظفر النشوان
***
وقادهم مشاطئاً للنيل
وكم بشط النيل من جميل
جزائر تعج بالهديل
والزرع والأنعام والشتول
 وظل سنط حالم مسدول
يدعو المجاهيد إلى المقيل
وصوت مزمار من الترتيل
عن معبد بادي السنى مأهول
وذكريات من هوى أصيل
ترف أحلاماً على النخيل
وزارع بحقله مشغول
مشمر الساقين للمحصول
وحرة تحنو على البقول
وزورق لعابر عجول
 ودافق في جدول مجدول
ينداح أسراراً على الحقول
لكن أعداء بني الإنسان
بثوا شراك الموت في الشطآن
***
تحرفوا عنه وهم جنوح
 إلى عراص أرضعها سفوح
تصون أسراراً وتستبيح
وهب من هنَّا وهنّا الريح
فاغبرت الآفاق وهي فيح
وقد تلظى واكفهر اللوح
واحمر من لذع السموم الكيح
ولاح ذاك السملق القبيح
والوحش في أحشائه يصيح
وطولبوا بالذل والإذعان
وغصت الحلوق بالأحزان
لله محصورون في فناء
لا مشرع يفضي بهم للماء
وظلهم سقف من الهواء
وفرشهم جمر من الحصباء
والقوت لا قوت سوى النواء
غزتهمو جحافل الوباء
فقامت القبور في العراء
وزاحت الضباع في الأرجاء
وأمسك الطير عن الغناء
إلا محلئيين كالشنان
يفرون ناب الضر بالإيمان
***
فما استجابوا للحصار المحكم
ولا استكانوا للهيب المضرم
وساندتهم عزمة المصمم
وعزة موروثة لم تحطم
ووثبة معروفة لم تهزم
تلاوحوا للمدفع المدمدم
يرفض ناراً من يدى غشمشم
حتى إذا احمر النهار بالدم
صال الجياع في اللظى المضرم
من كل ندب بالتقي موسم
يدعون بالجلى تعالي سلمي
فمن رآهم في لظى الميدان
فقد رأى ما لم تر العينان
***
وقال راوي أوثق الأخبار
من عاش في جحيمها في دار
قد كان ما لم يجر في الأفكار
ولا روته الناس في الأخبار
ولا حوته الكتب في أسطار
قد جمعوا قذائف الدمار
واستخلصوا منها على الأخطار
ما مد أسلحتهم بالنار
فهاجموا في رائع النهار
وباغتوا الأعداء كالإعصار
ودمروا معاقل الحصار
وأسرعوا للنهر في انحدار
وفوقهم سقف من الغبار
وحولهم حلل من الأدار
وجالدوا بوارج البخار
بمنطق البارود والبتار
وخوضوا في مائه الذخار
وأشرعوا السقاء في التيار
واستخلصوا الماء من الشرار
ورشحوا النيل بأرجوان
وشيعوا القتلى بمهرجان
***
وأقبلوا غراً من الصدام
أيديهم في راية الإسلام
ملأى رواياهم بماء طام
لها نشيد مزبد الأنغام
فأبصروا زيقاً من الحمام
ينغل في حدائق الغمام
فاستبشروا بمقبل الأيام
وهم بلا رسم ولا أرقام
ولا عناوين ولا وسام
شم الأنوف ثابتوا الأقدام
بالحب والإخلاص والإقدام
ماضون حول ثائر مقدام
قليل ما يقتاته صوام
مسهد بين الدجى قوام
قد قادهم للنصر وهو ظام
ما ذاق مذ يومين من طعام
مهابذ لله غير واني
وزاهد يعلو على الحرمان
***
فهل رأيت الرسل بالعشي
من غاصب ذي عزة عتي
جاءوا ليثنوهم عن المضي
جاءوا ومنوه بكل شيي
بالملك بالسلطان ذي الدوي
بكل مجد العالم الأرضي
وكل ما يغري الفتى بالغي
فعافها ذو المنهج المهدي
وند مثل الآبد الوحشي
وانحاز فوق منبر صخري
وصاح فيهم صيحة البركان
تجيش بالحديد والنيران
***
إنا مبايعون قد وفينا
وفي سبيل الله قد مضينا
والحكم لله إذا التقينا
لن تدركوا منا إذا قضينا
إلا الشهادات التي أدينا
والمشرفيات التي أمهينا
وجبة متروزة علينا
وحربة مركوزة لدينا
لهم لولا أنت ما اهتدينا
ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا
وثبت الأقدام إن لاقينا
وخذ نواصينا على الإيمان
وكل ما سواك شيء فان
***
وقالها في وجههم جهارا
فهزت الجبال والأنهارا
واعتامها طير العلا وطارا
وبثها في العالم افتخارا
يدور قرص الشمس حيث دارا
فأجفلوا عن حوضه حيارى
وجلجل التكبير واستطارا
وزغزدت للنخوة العذارى
وافتر ثغر البسل الغيارى
فأوقدوا فوق الجبال نارا
فأشرقت صخورها اخضرارا
ماذا يقول الشعر ذو البيان
وقد رأى التاريخ بالعيان
***
وقادهم مشاطئاً للنيل
وكم بشط النيل من جميل
أضفى عليه روعة التظليل
مشاعل النوار في الخميل
وقد كسته روعة الأصيل
نقوش تاريخ على صقيل
ومن بنات الورق والهديل
صدى ربابات من المجهول
مشدودة الأوتار في الفصول
تنداح أنغاماً على النخيل
لكن أعداء بني الإنسان
بثوا شراك الموت في الشطآن
***
وفي صباح أشأم الجناح
ألقى على توشكي رؤى الجراح
فاصطفت الجياع كالأشباح
على أديم مقفر قرواح
وبادروا بالسيف والرماح
كأنها شعل من الأرواح
على خميس فاتك السلاح
فبعد ضرب منهمو ملحاح
وبعد صبر للأذى نضاح
تقاضت النار ذوي الرماح
واستشهدوا يزينهم رمزان
المجد لله وللأوطان
***
وكان أمراً ما له مرد
فأين مما  ليس منه بد
فحدثته النفس مات الجند
لا خيل تقفوك إذا تشد
لا دارع يحميك إذ ترتد
وحومت تلك الصقور الربد
فما ترى غير الخضوع بعد
فأزت النار وضج الرعد
 وأوشكت جباله تنهد
وكر فوق الأحمر الحصان
مكبراً وغاب في الدخان
***
جاءوا به في موكب الغروب
مضرجاً كالصارم الخضيب
يفوح من برديه نفح الطيب
ورف حولى نعشه المهيب
ملائك وافت من الغيوب
يا قاهر الخطوب بالخطوب
قد عشت في خواطر الشعوب
وفحت ريحاناً على الدروب
لكن تضيق الأرض بالأديب
وينثني يبكي على السهوب
ويشعل الضفاف بالنحيب
إن ضاقت الحياة بالعقبان
وراشت الجناح للغربان
***
وفي ظلام الطارق البهيم
تربع التاريخ في السديم
على منار حف بالتكريم
وحوله حدائق النجوم
ترف في مدارها النظيم
هناك قد خط على الرقيم
نصين من شهادة الخصوم
شهادة للقائد النجومي
ومثلها لجيشه العظيم
من قد أرادوا المجد للسودان
فواصلوا السعى إلى الجنان
***
من خافقي ومن سنا قصيدي
وخير ما كابدت من جهودي
ومن أياد أشرقت في جيدي
ومن معان عمقت وجودي
ومن أمان لحن من بعيد
ومضنيات حررت قيودي
تحية للباسل الشهيد
وصحبه الموفين للعهود
عليهمو سحائب الرضوان
عليهمو سحائب الرضوان